مذهلات توجب قراءة "الحب في زمن الكوليرا"

 

 

هذه المراجعة هي ملاحظات كاتب منبهر بما احتوته رواية "الحب في زمن الكوليرا" لغابريل ماركيز بترجمة الرائع صالح علماني.

 

ولعل البداية تكون من فكرة الرواية التي ذكر ماركيز في أحد لقاءاته أنه استوحاها من قصة حب بين أمه وأبيه ثم أضاف لها حبكة بقصة قرأها في الصحف عن حب كان بين عجوزين وانتهى نهاية مأساوية ذكرها في روايته.

 

معرفة هذا مهم للقارئ والكاتب؛ فالقارئ سيتعجب من قدرة ماركيز ويتفهم أن الكثير من الروايات هي انعكاس للواقع ، ومهم للكاتب حتى يلتقط أفكاراً من محيطه دون أن يخجل في تضمينها لروايته. اقرأ أيضًا: أفضل 10 روايات أمريكيّة لاتينيّة على الإطلاق.

 

بدأ ماركيز روايته بومضة للخلف، وهذا من أعسر الأمور على الكاتب وأخطرها على القارئ؛ فكل ما سيكتبه تاليًا هو شيء عُرفت نهايته أو على الأقل هي منظورة للقارئ. فبماذا عساك تجذب القارئ وأنت للتو قد كشفت له قَدَر البطل من وراء حُجُب!

 

 

على أن ماركيز قد أبقى بعض الفضول للقارئ ليحاول معرفة مآل طلب ذلك العجوز؛ من هنا راح يمارس بكل ثقة سرد المواقف من الماضي، ساكبًا فيها حِكمًا وأفكارًا تأسر القارئ، ثم أضاف لها تأريخًا لحقبة زمنية ليؤكد أن الرواية انعكاس للمجتمع وهي مرجع الباحثين في للمستقبل لما تحتويه على مواقف لكل زمن، فتنبئك عما جرى فيه. اقرأ أيضًا: صالح علماني؛ الهامش حين يصيرُ متنًا.

فها هو يذكر رهبة مجتمعه من الكتب واستثناءهم بعض كتب حكايات الأطفال التي هي في حقيقتها تحتوي على الفساد الأعظم.

 

تحدث عن حطام امرأة تزوجت فوجدت في الزواج وجعًا وألمًا حيث لم تتوقع أن تكون فيما يصفه "خادمة مرفهة"، وهذا ليس تعييبًا في خدمة المرأة لبيتها ولكنه انتقاد لرغبة المجتمع في أن تكون النساء كل النساء مبدعات في الطبخ والتنظيف حتى لو كان ذلك ضد رغباتهن واهتمامهن. اقرأ أيضًا: 24 كتابًا تأسيسيًا شكّل حياة ماركيز.

 

 

وكانت تلك البداية للكشف عن واقع زواج يظنه الناس على أحسن حال وفي واقعه خراب ينتظر سقوط جدرانه!

 

ثم يدلف إلى بيان اعتراضه على زواج شخصين لا يعرفان بعضهما ولا تربطهما أي صلة!

 

لا ينفك ماركيز ينقل واقع مجتمعه ثم يقول رأيه بحكمة تطرب يومك؛

 

"الشيء الوحيد الذي أعتبره أسوأ من اعتلال الصحة هو سوء السمعة."

 

 

في هذه الرواية ظهر ماركيز الفيلسوف على لسان أحد أبطال الرواية:

 

"لست ثريًا؛ أنا فقير يملك مالاً."

 

 

 

ثم يثبت لنا ماركيز أن الحكمة على لسان البطل لا تعني مثاليته، فهو حكيم في بعض المواقف وأبله في أخرى كما هو واقع الحياة!
وفي مشهد عظيم يصف علاقة الابن بوالده وشبهه به حين يقول:

 

"يعرف المرء أنه قد بدأ يشيخ حين يبدأ بالتشابه مع أبيه".

 

 

 

وبذكر الأب، يتمثل أمامي مشهد تقلّب فيه ماركيز بالذكريات بين حال البطل الآن ثم ماضيه مع الأب ثم حاله الآن ثم عودة لماضيه مع الأم وكل ذلك في صفحة واحدة كأنما هي صورٌ يقلبها بين يديك.
وهذه الجزئية مهمة للكاتب أن يعلم بجوازها في التأليف فهي تمنحه سهولة في التنقل بين الأحداث دون الحاجة لمزيد سبب أو حبكة ثانوية. اقرأ أيضًا: "شيء خطير جدًا سيحدث في هذه القرية"؛ قصة لم تنشر لماركيز.

 

 

 

ثم يظهر ماركيز الرومانسي المغلوب على أمره الذي يخاف الموت فيقول:

 

"ما يؤلمني في الموت ألا أموت حبًا."

 

 

 

ويكاشف ماركيز خفايا النفس مع القارئ لتظهر في معاناة البطل الذي يقاوم وخز ألم سعادته برغبته في موت رجل سرق حب حياته!

 

 

 

ويستمر بتلك المكاشفات الثقيلة على نفس القارئ باكتشاف الأم أن:

 

"حب الأولاد ليس نابعاً من كونهم أبناء، وإنما منشؤه صداقة التربية."

 

 

 

 

ماركيز يمارس السحر حين يعلمنا ويمتعنا ويوجعنا بوصف المرض:

 

"كان يشعر بزمجرة القط النائم في كليتيه، ويحس بخرير الدم في شرايينه. كان يستيقظ أحيانًا في الصباح كسمكة لا تجد الهواء لتتنفس".

 

 

 

ويأتي بعدها تساؤل: هل قسى ماركيز على مجتمعه أم نقل الحقيقة المرة حين قسم النساء إلى صنفين فقط: صنف في متعة باكورة الزواج وصنف أعزب للأبد، أما غير ذلك من متزوجات وأرامل وجدات فكن شيئًا مختلفًا، يحسبن عمرهن بما تبقى لهن من زمن على الموت!

 

 

 

هل يحق لنا أن ننسب ما قيل في الرواية لماركيز وكأنه يتبناه؟ بالتأكيد الأمر ليس كذلك؛ فالروائي ينقل الصورة بعينه أحيانًا وبعيون الآخرين أحايين كثيرة، فيما يرونه ويفعلونه في مجتمعهم الذي هو بالنسبة للقارئ مجتمعًا موازيًا. وهذا درس آخر للكاتب؛ أن ينقل الواقع حتى لو كان مؤلمًا ومخجلًا ولا يتفق معه؛ فالكاتب ليس مُنظِرًا أو واعظًا، مع حقه في عرض رأيه على لسان شخوص الرواية دون أن يميل إليها، فيرفع رأيه ويخفض غيره؛ فالقارئ ذكي فطن ولا يقبل الخداع. اقرأ أيضًا: 5 كتب ممنوعة هي الأكثر شهرة!

 

يكاد ماركيز لا ينسى شيئًا في هذه الرواية حتى الصلع؛ جاء على ذكره ونقل معاناة وتجارب من حاول مقاومته بالطب تارة وبالخرافة تارة أخرى.

 

 

كما لم يترك هذه الرواية دون أن يفضح الفساد في طبقات المجتمع وينقل صوراً من تذاكيهم وتلاعبهم بالأنظمة والقوانين.

 

 

السؤال الذي أطرحه على نفسي: ماذا تبقى لدى ماركيز ليكتبه في بقية رواياته وهل سأقرأ فيها شيئا لم يأت على ذكره في رائعته "الحب في زمن الكوليرا"؟

 

 

اقرأ أيضًا: 

صالح علماني: الترجمة تحفظ الإرث الإنساني

تعيسة ووجع الهوية في السودان

أغانٍ أدبية مقتبسة عن كتب

9 أغلفة مميزة لأعمال أدبية