"مرسى فاطمة" لحجي جابر: تيه، عبور وأرض موعودة

 

 

 

حجي جابر الكاتب أريتري المولد، سعودي النشأة، حالة مميزة في الأدب العربي المعاصر -على الأقل ما كتب منه بالعربية-؛ فازدواجية هويته وانتماءه المتأرجح بين بعدين ثقافيين أفريقي وعربي، وما لهذين البعدين من تواريخ مشتركةٍ حينًا ومتنافرة أحيانًا، ولغاتٍ وثقافات وتقاليد، تمكنه من وضع الحالة الأريترية تحت المجهر، مستعينًا بلغةٍ سلسة وأسلوب لا يستعصي على القراء على اختلاف مستوياتهم.

 

 

يشاركه القراء رحلته التي تنطلق من رغبته الشخصية في اكتشاف البعد الأريتري من هويته، من خلال رواياته الثلاث، الصادرة عن المركز الثقافي العربي،  ففي "سمراويت" (2012) براءةُ الاكتشاف، و في "مرسى فاطمة " (2013) سطوة التاريخ و قسوة الواقع، وفي " لعبة المغزل" (2015) محاولة كتابة تاريخٍ مغاير.

 

 

كما تتميز أعمال جابر ببنى قصصية محكمة تتمحور حول التيه والأرض الموعودة، وما بينهما من مشقة وغربة وعناء، وشخصيات مميزة يختزلها في الابن/الابنة الضالة والوطن المرأة/الرجل، لتفتح المجال للتساؤل بشأن الأوطان والانتماءات، فهي متعددة في "مرسى فاطمة" التي أخصص لها هذه المراجعة. اقرأ أيضًا: 5 مقاطع موسيقيّة تساعدك على التركيز أثناء القراءة.

 

 

إذ يُعَلِمُ القارئ على خارطة "مرسى فاطمة" عبر فصولها الخمسة رحلة الشخصية الرئيسة من قندع شرق البلاد –انطلاقًا من زمنٍ يبدو بعيدًا: زمن ما قبل "سلمى"- إلى العاصمة أسمرا، مرورًا بأشباه دول في معسكر ساوا ودولة الشِفتا، وصولاً إلى أقصى الغرب في تسني، قبل العبور إلى السودان، ومن ثم تقفي الآثار عودة إلى حيث الانطلاقة من "مرسى فاطمة".

 

 

يبدأ تيه راوينا، مجهول الاسم و الهوية، في وطنه، بحثًا عنه، وما أن يجده في "سلمى" الحبيبة التي تُجسد في جمالها وصخبها وحبها لأغاني "هيلين ميلس" حلمًا "بحجم الوطن" (ص.68) حتى يفقدهما: سلمى و الوطن، أو لربما غادراه كما يقول:

 

"أن ثمة أوطان تغادرنا رغم عنا و عنها، فلا نملك إلا أن نلهث خلفها"، إذ إن أحدًا لا يهجر وطنه "ما لم يقم الوطن بذلك أولًا وهذا ما لم يحدث أبدًا في مرسى فاطمة" (ص.37).

 

 

وأنّى له ألا يلهث خلف "سلمى"، وهي الحبلى بمشروع انتماء و عائلة و وطن؟

 

 

أملاً منه باللحاق بـ"سلمى"، يجد راوينا في معسكر ساوا للتجنيد وطناً آخر، لا يشبه الوطن إلا في شعاراته العسكرية وحصص الثقافة السياسة التي تلقن المجندين ضربًا من ضروب الانتماء والولاء. ففي وصفٍ لما ينقلب إليه المعسكر من حال إلى حال غداة زيارة لمراقبين ومهمتمين أوروبيين بالشأن الأريتري، تلخص إحدى اليافطات القماشية تبدل الأحوال من المعاملة اللاإنسانية إلى شعاراتٍ رنانة من قبيل "بناء الإنسان أولاً" والوطن "هو كرامة الإنسان و حريته" (ص.92)، لتختزل الوطن والانتماء في عرض مسرحي مُعد لفرجة المراقب الأجنبي. اقرأ أيضًا: كيف أصبحت غبياً .. رواية السرد بذكاء.

 

 

على الرغم من حداثة تجربته الوطنية، إن جاز التعبير، إلا أن راوينا يُعلم رفيق المعسكر "كداني" درسًا في الانتماء لا يمكن للمعسكر أن يقدمه، فيقول كداني للراوي:

 

 

"منك تعلمت كيف أطارد هذا الوطن بحب، كيف أحتفظ بإيماني به رغم كل شيء. تعلمت أن الوطن الحبيبة، و الحبيبة الوطن، وجهان لك أحلامنا النبيلة" (ص.105)

 

 

كما يحثه على التشبث بكل الفرص للعثور على "سلمى" المرأة والوطن:

 

 

 

"لكنها الوطن، نسعى إليه مهما أوغل في الابتعاد. امنح نفسك فرصة أخرى كي تجد وطنك، امنحه هو أيضا فرصة كي يجدك. كثيرة هي الحواجز التي تقف عادة بيننا و بين أوطاننا التي نتمنى" (ص. 108).

 

 

يجد الراوي فرصةً للهرب من المعسكر، إلا أنه ما يلبث أن يجد نفسه في قبضة عصابات الشِفتا التي مَأسَسَت تجارتها في البشر وأعضائهم، وتهريب للبضائع والأسلحة حتى غدت دولةً داخل دولة. والشِفتاي وإن خاطب الراوي ورفاقه الأريتريين المهربين بـ"العبيد" (ص.133) إلا أنه يفيض حبًا لأريتريا التي احتضنته وأجداده الفارين من السودان بحثًا عن وطنٍ آخر يلوذون إليه. فمن منها، الشِفتاي و الراوي، ينتمي إلى أريتريا، ومن يظفر بها إن اقتتلا من أجلها كغريميين؟

 

 

على الرغم مما يراه الراوي أنه كلما "اقترب السودان أكثر، بدأت إريتريا في الابتعاد. أنانية هي الأوطان، لا يأتي وطن إلا حين يغادر الآخر" (ص.136)، إلا أنه والقارئ -لا يقتربان من التعرف والعثور على "سلمى" وعلى أريتريا إلا في مخيم الشجراب لللاجئين الأريتريين شرق السودان. اقرأ أيضًا: آراء 10 كُتّاب بكتابة المذكرات.

 

 

يتجاوز انتماء الراوي في الشجراب رقم اللاجيء، رقم ساوا العسكري، مبلغ مال يطلبه الشِفتاي أو مشروع عضو يستأصل ويباع، إذ يضع الراوي رحاله في المخيم رفقة "أم أواب" و"أمير"، ويطرب لأغاني "أحمد المصطفى"، ويستلذ الأنجيرة والزقني، كما يستطيب الجَبَنَة، ويستحضر الزاخر الجميل من الثقافة الأريترية، وإن غصّ المخيم بعذاباتٍ و آلامٍ لا يزال يتجرعها الأريتريون كما ينقلها لنا الراوي في الشجراب وفي غيره من المخيمات، حتى و إن "تَسَودَن" المخيم.  

 

 

يستدرك الراوي، حين يَركنُ إلى الشجراب، ويركن هذا الأخير إليه، خشيته من "ألا يعود لي وطني الذي أتيت بحثًا عنه، وأن تصبح الحياة بعيدًا عن سلمى هي القدر الذي ينتظرني" (ص.147).

 

 

إلا أن ساوا، الشِفتا والشجراب أوطانٌ بديلة، و"الوطن البديل قد يبقيك حيًا، لكنه لا يمنحك الحياة. هو بالضبط كزوجة الأب، مهما بدت حنونة لا تنسى أنك من امرأة أخرى" (ص.236)، ولا تغني عن الجنة الموعودة في "مرسى فاطمة" معية "سلمى" المرأة/الوطن. اقرأ أيضًا: صالح علماني؛ الهامش حين يصيرُ متنًا.

 

 

هكذا يعبر الراوي صحرائه ويُحكم رسم حلقته المفرغة بخيالاتٍ رومانسية يرددها على كل من قد يسمع، كلما جاء على وصف "سلمى". وعجبي إذ تظل الحلقة عصية على الفَك رغم الاكتواء بنار التيه والعشق، وتحت وطئة خيبات الأمل، "فالوطن مهما قسى"، كما يقول "أمير" "هو جزء منا، مجرد التنكر له يشبه مريضًا يريد التخلص من وجع  يده بقطعها" (ص. 206)

 

 

قد لا يصرح الراوي بذلك، إلا أن للقارئ أن يستشف، أن يسأل، و أن يحاول الإجابة على أسئلة مشروعة حول الغربة في الوطن وانتمائه لأي من تلك الأوطان الهجينة (والمستهجنة) وعن لوعة الفراق، ومشقة الرحلة تيهًا في ومن أجل امرأةٍ مشتهاة وجنة موعودة، ما الجدوى؟ وأي ضربٍ هذا من العبث الذي يدفع الراوي لمحاولة التشبث بتلابيب أحلامٍ أُجهضت دون علمه، إبان تيهه.

 

 

قد يطول بنا وبالراوي انتظار عودة "سلمى" وعودة أوطان هي أقرب للسراب من الواقع، نلهث خلفها دون أن نبلغها بعد أن نفقدها في غفلةٍ منا أو أن تغادرنا عن سبق إصرارٍ وترصد، وكل سلوانا في هذا الانتظار هو التلهي بما لا ينتهي من الاحتمالات: أتُرى تعود "سلمى"؟ أتُرى يلتقيان؟ أتُرى يظلان عاشقين ملهوفين؟

 

 

أنتهي من حيث ابتدأ جابر في تقديمه للرواية بقوله أن "الوطن كذبة بيضاء، يروج لها البعض دون شعور بالذنب، ويتلقفها آخرون دون شعور بالخديعة" والتي يقول جابر أنها مقولةٌ ما يزال يؤمن بها، طالما استمر تيهه بحثًا عن وطن. 

 

 

 

اقرأ أيضًا:

ملخّص كتاب "قوة الصورة كيف نقاومها وكيف نستثمرها؟"

5 كُتّاب شباب يعدون بالكثير

هل سيحل الكتاب المسموع محل الكتاب الورقي؟

نظرة موجزة على تجربة السيّاب الشعرية