معاناة اليابانيّات المنسية في "بوذا في العالم السفلي"

 

 

في 113 صفحة، استطاعت الكاتبة جولي أوتسوكا، الأمريكية من أصل ياباني أن تؤرخ لحقبة منسية من معاناة اليابانيين في أمريكا، من خلال كتابها "بوذا في العالم السفلي. كتبت الرواية بصيغة ضمير المتكلم؛ ليس في الرواية بطل أو بطلة، هناك فقط سرد للتاريخ جاء على لسان مجموعة من النساء، قدّمن شهادتهن من خلال صيغة المتكلمات، وتحدثن عمّا عانينه من غربة وإذلال وخنوع على مدى أجيال.

 

 

تبدأ القصة من الباخرة التي أقلّت فتيات هاجرن هربًا من حياة البؤس في بلادهن إلى أمريكا لملاقاة أزواج لا يعرفونهم إلا من خلال صور أُرسلت لهن مع وعود برفاهية العيش، وإذا بهن يتفاجأن بأزواجهن الموعودين في أشكال على غير الصور الذي أُرسلت لهن، وأن أولئك الأزواج ليسوا أغنياء بل عمّال يابانيين بسطاء يعملون في مزارع القطن والخضروات.

 

 

تبدأ معاناتهن من أول يوم يطئن فيه أمريكا مع أزواجهن الذين استعبدوهنّ جنسيًّا، هذا إلى جانب العمل المتواصل المرهق في الحقول والبيوت دون رحمة أو شفقة.

 

في ذلك الوقت، كان يجري استيراد الفتيات من اليابان لتوفير أيد عاملة مجانية، كنّ يعملن في الحقول من الصباح إلى المساء دون توقف حتى للأكل، حياة كلها بؤس وشقاء واستغلال واضطهاد.

 

 

الفتيات اليابانيات كنّ يتعرضن لمضايقات من قبل المجتمع الأمريكي؛ كان الأمريكيون يحرقون محاصيلهن الزراعية، أو يضرمون النار في قنّ الدجاج، مضايقات لا تعد ولا تحصى تكتبها وتعددها الكاتبة في الرواية.

تبدأ النساء بالتساؤل فيما بينهنّ وهنّ محاطات بهذا المجتمع العنصري عما إذا كنّ قد ارتكبن حماقة عند قدومهن للاستقرار في أرض كثيرة العنف شديدة العداء.

 

 

بعض الفتيات اليابانيات عملن في بيوت الأمريكان؛ وجد بعضهن المعاملة الحسنة، وواجه البعض الآخر تحرش الرجال وهن خاضعات مستسلمات صامتات؛ منهن من حملن سفاحًا ليتم طردهن من العمل عندما يكتشف أمرهن.

 

 

تمضي فصول حكاية المعاناة هذه جيلًا بعد جيل، والفتيات اليابانيات يعانين من الحمل والولادة المتكررة في ظروف بيئية صعبة مع العمل الدؤوب يوميًا دون اعتبار لظروفهن.

 

أما أطفالهن؛ الجيل الياباني الجديد المولود في أمريكا، والذي انسلخ من بيئته؛ فقد دفعتهم رغبتهم في التماهي مع المجتمع الأمريكي العنصري اتجاههم إلى إلى تغيير أسمائهم من اليابانية إلى الأمريكية والتنكر لأصولهم وأهلهم.

 

 

تشدّك الرواية لقراءتها منذ صفحاتها الأولى، فقد كتبت بأسلوب مُميّز لم تعهده من قبل، لكنك ستُصدم في نهاية فصول الرواية عندما تتعقد وتتشابك الأحداث، بهجوم اليابان على بيرل هاربر وما ترتب على ذلك الهجوم من معاناة على اليابانيين المقيمين في أمريكا، عندما قامت الحكومة الأمريكية بتهجيرهم من بيوتهم وحقولهم وقراهم وأحيائهم السكنية إلى المجهول بتهمة التآمر والتخابر مع العدو ولم يعرف مصيرهم بعد ذلك.

 

 

رواية مؤلمة عندما يكون الأمل وهم، والحلم كابوس والغربة صمت وألم جاثم على الصدور.