ملحمة الحرافيش: رواية كلّ الحياة

عندما يتماهى السّرد مع معادلة الخلق إن هي إلا ملحمة. فعلها نجيب محفوظ في رائعته "الحرافيش". كيف فعلها؟ كيف جعلنا هامش والزّمن هو المتن؟ أم أنّ هذه هي كلّ الحكاية؟ كيف أضحت الحارة رمزا يعادل العالم؟

كيف اختزلنا جميعا بنماذج تتكرر عبر الزّمن؟ عرف تمامًا كيف يرسم المصائر، متى يخلق الشخصية ومتى يميتها؟

 

في محاكاة مرة لواقع أمر مارس باقتدار غواية الخلق، ويا لها من غواية خطيرة. هي التّاريخ الإنساني وقد أُختُزِل في حارة.

 

الحرافيش مرثية حكاياتنا جميعًا حين تشيخ الأوجاع وتُهزم الآمال وسط عالم يتسربل بالبؤس والّدم والظلّ غصّة إثر غصّة، هي نحن حرافيش هذا الزّمان المسكونون بالأناشيد الغامضة، القابضون على أهداب الرؤية. هي حكايتنا جميعا مع الذات والوطن والاله، هي حلم العدل والكرامة والطمأنينة.

 

العالم الذي شيّده نجيب بين دفتي كتاب يشي بالحياة الحقيقية لنا جميعًا. هي نحن حين أضحت جراحنا أكبر من أوطاننا، نحن العالقون في ظلّ "الكبير"، الخاضعون خوفًا من ضربة النّبّوت نكابد الحقيقة ونكابر على أوجاعنا وجوعنا، نتغنى بثورة الجوع التي اندلعت يومًا ثم أُخمدت قبل أن يسدّ الجائع رمقه، ثمّ نتساءل ثملين بالمكابرة: هل اكتملت أركان الثورة؟ "فلتحفظك الصّدفة إن أعوزك العدل والرّحمة".

 

هي نحن حين نصارع الفتنة، فتنة الظلام الذي يحتضن الملائكة والشياطين. فتنة القوة والسلطة والمال. في صراع الغرائز والرغبات. "حبان يشكلان أضعف ما فينا، حب المال وحب السيطرة على العباد".

هي الدنيا داخل الحرافيش وخارجها: خير لا يذكر وشرّ لا يحصى، عدل شحيح وظلم غزير؛ معادلة الثنائيات: الطّيبة والخبث، الشهامة والنذالة، الجنون والحكمة، المبادىء والمصالح.

من ذات الأصل ولدنا جميعا و في الأفق تلوح التكية شامخة: العرش الهائم فوق احتمالات الخير والشرّ كافة.

 

فكيف تتشكل المصائر؟ كيف تتخايل الأقدار؟ وكيف تسير الأيام بطيئة ثقيلة مسربلة بالكآبة؟ هذا الايقاع المنتظم الذي يقودنا جميعا، لكنّ الزمن لن يتوقف وما ينبغي له "يتوهم الفحل أنه اقترن بالدنيا قران دوام، لكنّ العربة لا تتوقف والدنيا زوج خؤون".

 

هي نحن  في ظلمة الفجر العاشقة، حين تهتف بنا همسة، تشدو في القلب والروح، فنعبر "الممرّ" الواقع بين الموت والحياة، نزحف نحو "التكية"؛ تكية الليل والنجوم، الملاذ الآمن لنا جميعًا، نسير تحت ظل "السور العتيق"، نفترش "السّاحة" أمام التكية، مهبط لشعاع مغسول بماء السّماء، نذوب في ليل الأناشيد والجوّ الملائكيّ، يسحرنا الشعر الأعجميّ، ننتشي بحلم رحيق التّوت فتقابلنا الحياة بضربة النّبّوت.

 

الباب مغلق، بوابة التكية الشامخة لا تُفتح والقلب جزع. نعود والألم يمزق الجسد وينداح في الروح، فنتوارى في "القبو"، نختار العيش في الهامش المظلل بالحسرة واليأس العنيد وتغدو الحكاية ضربًا من الأسطورة.

فيا "شيخ" التكية التي رنت أرواحنا إلى حكمتها وسحر أناشيدها، حين طرّزتْ أوجاعنا سورًا أعجميّة، نتبتلّ في محرابها، نحن الحرافيش الذين صهرنا الشوق لنداء الصّوفية فينا، فعانقنا سحرها، كلّت أيادينا طرق الباب بكلّ الحنين الذي غالبنا فغلبنا.

 

لصورة التكية في خيالنا كالحلم الأبدي، لتكيتنا الخاصة، الأفق الخاص الملح الذي يبقى في القلب كقرحة دامية.

"كأنما أدرك لمَ ترنّموا طويلا بالأعجمية وأغلقوا الأبواب".

ويا شبح السور العتيق من أنت؟ مرآتنا القديمة التي لفرط ما تعاقبت عليها سنوات العمر بهتت؟ ذكرياتنا مع من غادرونا إلى سرير الأرض سريعًا وكأنهم كانوا دائمًا على موعد مع الموت تأخر؟ تفاصيل ضاعت في المجهول كان لها طعم حلاوة الشهد وملوحة الدمع؟

 

"لماذا نحبّ هذه الحياة ونحرص عليها هذا الحرص كله؟ لماذا نذعن لمشيئتها؟ ألا يحق لها أن تسلط علينا دود أرضها؟"

 

 

وماذا بعد؟ ماذا بعد السقوط في البئر العميق إلا الخواء الدّاخلي الذي يعرينا فتبدو الإنسانية فينا صورة مُغشاة ويغيب العالم القديم؟

فهل نلتمس العبرة في ثنايا الأحداث وتقلباتها؟ "الشمس تشرق، الشمس تغرب، النور يسفر، الظلام يخيم"

 

هي نحن أخيرًا حين ننتصر على أنفسنا، حين نصمد مثل السور العتيق ونقول لأنفسنا: لا. فنصبح نحن الوطن ويصبح الوطن: وطن الحرافيش.

كما تضع نهاية الليل قطرات النّدى على الأرض الحزينة سطّر نجيب نهايتها: "فقال له قلبه لا تجزع فقد ينفتح الباب ذات يوم تحية لمن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة".

الحرافيش: رواية كلّ الحياة.