ميتتان لرجل واحد؛ الرجل الذي رفض ميتة القبر

 

 

لا يمكن للروائي مهما عظمت أدواته الروائية أن يهرب من فضاء الشخصيات التي يرسمها لنا.

 

 تجده يوزعه حياته الخاصة وفكره وتجاربه بين هذه الشخصية وتلك، وإن كان لابد ستجده يأسر الكثير منه في شخصية واحدة ليضع بعض ذكرياته وذاته فيها.

 

الهروب الأول من المدرسة، ثم الحياة البوهيمية التي عاشها جورج أمادو في السلفادور بين الأزقة والحوانيت، بين صعاليكها ومشرديها وباعاتها المتجولين، الهروب من القيود العائلية في بداية حياته ومن والده، والبحث عن البساطة؛ كل هذا يخبرنا أن حياة أمادو تتقاطع كثيرًا مع حياة "كينكاس" بطل هذه الرواية؛ "ميتتان لرجل واحد". اقرأ أيضًا: نماذج من فكر مالك بن نبي في "مشكلات الحضارة".

 

 

هو نفسه أمادو المناضل، الذي عرف السجن لأكثر من 12 مرة، والنفي والتغريب، وحارب لأجل حياة شعبة ومجتمعه ويحارب مواطن الداء في البرازيل.

 

هو نفسه يناضل في شخصية "كينكاس هدير الماء" لتغيير حياته السابقة عندما كان "جواكيم" حيث البحث عن الأفضل وفق قناعاته؛ شخصية الثوري ظلّت تموج في داخله دومًا وكان من الطبيعي خروجها في نصوصه.

 

هو ذا أمادو بكل تفاصيله البسيطة التي يخبرنا عنها روجيه باستيد:

 

"كنت أرافقه مرارًا في شوارع "باهيا" وكانت تأتي بنات الله للركوع أمامه طالبات بركته، وكان الباعة المتجولون يحيونه بصيحاتهم وضحكاتهم المرحة. كان الزنوج يشدونه بين سواعدهم ويقدمون له قدحًا من القهوة أو كأسًا من الشراب تعبيرًا عن الصداقة المناضلة."

 

 

 

في سيرته الذاتية "طفل من حقل الكاكاو" يذكر لنا أن شخصيات الرواية مصدرها شخصيات حقيقية في حياة الكاتب وهي جزء وبعض من تجربته الذاتية، وهو من يقول:

 

"ماذا كُنت سأصبح لو لم أكن روائيًا للبغايا والمتشردين؟"

 

 

 

هي قصة رجل عاش حياتين إذن؛ بؤس وبلادة في الأولى حصرها المجتمع في الاحترام والتقدير والمكانة التي تتجلى في أعين ذويه، وعكسها بحياة مغايرة بين السكر ورائحة الخمر والأشقياء الذين عدهم أصدقاءه الحقيقيين، شاربو "الكشاسا"، الذين وهبوه عيشةً أخرى غير التي عاشها من قبل، ومات في صورتها وسط غضب أصحاب الحياة الأولى. إنها قصة "كينكاس هدير الماء". اقرأ أيضًا: لماذا عليك أن تقرأ المزيد من الروايات؟

 

 

هذا الماكر، أمادو؛ كيف يسمح لنفسه أن يعرينا أمام أنفسنا، أن يجعلنا نعيد حساباتنا في هذه المنظومة اليومية من النمطية والروتين والانضباط، لنسأل أنفسنا: هل نحن أحياء حقيقة؟

 

 

الرواية صغيرة الحجم، لكن تناول أمادو لهذه التفاصيل التي قد نظنها بسيطة جعلتها غاية في العمق، وكأنها رواية من مئات الصفحات.

 

تفاصيلها تأسرك بعمق حياة كينكاس الثانية، هي حياة أكثر من ثلثي المجتمع؛ بمجونه وعربدته، بأصدقائه الذين شاركوه هذا اللهو والعبث.

 

عندما تقرأ هذا النص بحب ستعلم دون شك أن ثمة كينكاس ينام في داخلك آمنًا مطمئنًا ينتظر لحظة انعتاق من جواكيم.

 

النص يسخر من الموت ومن الحياة التي بلا حياة، لذا يمكن أن نعتبر أنه ينتصر للحياة، وليس بالضرورة لعبثيتها. هذا النص ثوري على الضوابط والقيود التي تأسرنا في حياة لا نود عيشها ونرغب في الخروج من سلطتها حتى لو كنّا قد تجاوزنا الخمسين من العمر. 

 

لذا كانت هذه الرواية ليست فقط "ميتتان لرجل واحد" بل أيضًا ميتتان وحياة لرجل واحد. شكرًا كالعادة للأدب اللاتيني.

 

 

"سأدفن كما أشتهي

في الساعة التي أشتهي

يمكنكم أن تحفظوا تابوتكم إذن لميتة جديدة وميت جديد

أما أنا فلن أترك لأحد أن يحبسني في قبر"

 

 

اقرأ أيضًا: 

ربّ إنّي وضعتها أنثى؛ رحلةٌ إلى فلسطين

ثقافة تويتر: حرية التعبير أو مسؤولية التعبير كما يراها الغذامي

أفضل أماكن القراءة في عمّان

كيف تقاطعت القراءة مع الأكل عبر التاريخ؟