نظرة تحليلية في كتابة القصة القصيرة في ضوء "البدين والنحيف" لتشيخوف

 

 

 

إن كتابة القصة القصيرة تمثل تحديًا للكتّاب في عصرنا الراهن، الذين بحاجة إلى التفرد والتنوع في أعمالهم في هذا المجال الذي يتطلب البراعة والموهبة سواء في تحديد الفكرة الرئيسية للقصة القصيرة، أو نسج الحبكة ثم الصياغة بأسلوب كتابة ينقل القارىء داخل الأحداث، للوصول إلى قصة قصيرة تحفر في العقل والوجدان .

 

ما أنا بصدده الآن هو محاولة لتسليط الضوء على بعض العناصر الأساسية في كتابة القصة القصيرة، وذلك في ظل قراءة تحليلية لقصة "البدين والنحيف" للكاتب الروسي أنطون تشيخوف.

بداية كتب تشيخوف الذي ينظر إليه على أنه من أفضل كتاب القصص القصيرة على مدى التاريخ، قصته "البدين والنحيف" وهو في سن الثالثة والعشرين من عمره، في فترة كان يكتب فيها من أجل الحصول على المال.

 

 

تدور القصة حول لقاء حصل بالصدفة في محطة قطار، جمع بين شخصين درسا في مدرسة واحدة، وافترقا منذ ذلك الحين، ليتذكرا ذكرياتهما أثناء فترة الدراسة، ولكن ما إن يعرف النحيف بينهما –وهو موظف صغير- بالموقع الوظيفي الكبير الذي يشغله صاحبه البدين، حتى تتغير لهجته ويتكلم بصيغة رسمية مصطنعة للغاية، على الرغم من اعتراض صديقه البدين على هذا التصرف الغريب، فلا يتوقف النحيف عن التملق والتذلل للبدين، وهكذا يفترقان مرة أخرى، وتنتهى تلك القصة القصيرة المكتوبة في أقل من صفحتين .

 

 

تعد رؤية تشيخوف خارجية "بصيغة الغائب"، وقد انتهج في كتابة قصته زاوية سرد كمشرف حيادي، يطل على مسرح الحدث، فيصف ما يرى، وينقل ما يسمع دون أن يعلق أو يدخل إلى أعماق الشخصيات ويقرأ ما يدور في أذهانها .

يمكن القول أن تشيخوف كان ماهرًا حين ترك تجسيد الصراع الطبقي في المجتمع الروسي يعتمد على الفهم الغريزي للقارىء دون أن يظهر الراوي أي أيديولوجية مباشرة.

 

 

كذلك لم يركز الراوي بقدر كاف على المنظور النفسي للشخصيات في القصة سواء الذاتي للشخصيات أو الموضوعي للراوي، فهل عبارة "في حالة من الذهول اللذيذ" تكفي لتقديم منظور نفسى ملائم؟

 

 

 

اكتفى الراوي بالمنظور التعبيري حيث الأسلوب الذى تعبر الشخصية من خلاله عن نفسها، وظهر ذلك بشكل مكثف في الحوار، وباختصار في الرموز المتضادة التي استخدمها تشيخوف من وصفه للطعام (الكرز ولحم الخنزير) والملامح الجسدية (البدانة للغنى والنحافة للفقر)، وفي السرد المختصر باستخدام تعبيرات مثل (انحنى بجسده كله وضحك كالصيني).

 

 

بالنسبة إلى صوت الراوي: فقد ظهر في مقدمة القصة بوضوح ثم تداخل مع الحوار بشكل خافت إلى حد ما، وذلك باستخدام كلمات مختصرة تصف طبيعة الحديث الدائر .

 

 

أما رسم الشخصيات؛ فاكتفى تشيخوف بتعبيرات رمزية تصف المأكل والملامح الجسدية المتضادة ليبرز الفوارق الاجتماعية .

وتجسدت الخلفيات التاريخية في الزواج وعائلة الزوجة وديانتها ودراسة الإبن وألقاب المدرسة، وهي بساطة تنعكس من بساطة الشخصية المتحدثة، وكان تشيخوف بارعًا في سرد معلومات الخلفية بطريقة مستترة دون أن يسبب مللاً .

 

 

وأخيراً امتاز أسلوب الكتابة عند تشيخوف بأنه اهتم بالحوار وأكثر منه على حساب السرد، واستخدم لغة بسيطة يسهل فهمها لدى عامة الناس، وقد عرض الفوارق الطبقية بموقف عادي ممكن حدوثه في الحياة اليومية، وشعرت كأنه يخاطب البسطاء في قصته بلغتهم، ليصل بهم إلى أن يسخروا من التملق ويشمئزوا منه .

 

 

ومن الملاحظ أنه كانت هناك حاجة إلى إظهار الجانب الوجداني للشخصيات بشكل أكبر، والإقلال من جمل الحوار التى تكررت، ولعل تشيخوف تعمد أن يكررها ليجعل القارىء يشمئز من شخصية النحيف المتملق، وفي ظني أن هذا التكرار لمعلومات الخلفية لم يكن مفيد، فلو استخدم عبارات أخرى بديلة وبسيطة لكانت أدت الغرض أيضًا، ويتضح كذلك بأن تلك القصة موجهة لقارىء معين، تتناسب معه صياغة القصة البسيطة.

 

 

أحب أن أشير إلى أن قصة "الساذجة" لتشيخوف التي عكست العلاقة بين البرجوازي والمربية تصرح بصورة أقوى عن الصراع الطبقي مقارنة بهذه القصة، ولعل ذلك يرجع إلى الجانب الوجداني المعلن بوضوح في قصته "الساذجة".

 

 

تظل كتابات أنطون تشيخوف علامات بارزة في القلوب والأذهان. أختم باقتباسه:

 

 

 

"وعمومًا فالكلمات مهما كانت جميلة وعميقة فإنها لا تؤثر إلا في ذوي النفوس اللامبالية ولا تستطيع دائمًا أن ترضي السعداء أو التعساء. ويبدو أن أسمى تعبير عن السعادة أو التعاسة هو في أغلب الأحوال الصمت. فالعشاق يفهمون بعضهم عندما يصمتون، أما الخطبة الحارة المشبوبة الملقاة على القبر فلا تؤثر إلا في الغرباء، بينما تبدو لأرملة المتوفي وأولاده باردة تافهة".