نظرة موجزة على تجربة السيّاب الشعرية

 

 

لم يكن السياب رائد الشعر الحر العربي فحسب، بل كان في طليعة الحركة الشعرية التي أرست دعائم القصيدة الجديدة، وعملت على الارتقاء بها لغة وصورة وإيقاعًا، هذا ما جعل من السياب شاعرًا وإنسانًا، موضع استقطاب الكثير من الباحثين.

 

وإذا كانت حياة السياب قد اتسمت بالقصر والفاقة، فإن تجربته الشعرية، قد أغدقت عليها بالطول ما لا يحسب بعدد السنين، فالسياب ليس مجددًا في النسق الشعري العربي فحسب، بل في المضمون والرؤيا أيضًا.

 

اتسم شعر السيّاب بالشفافية وتجلي صوت الروح، فاتسعت لغته لكل المعاني المكتنزة والدالة، فكانت بنية القصد عنده تخضع لما يمكن أن نصطلح عليه بفيض الروح، بحيث أن التجربة الروحية للقصيدة تفيض على البنية الضيقة للقصد وتنفتح على فضاءٍ لغوي أوسع على ميدان تجربة أعمق، فـإن الحساسية المرهفة والمفرطة التي تنبع من داخلية الروح السيّابية، جعلته يندفع نحو الشعر الحقيقي، الشعر الذي يخرج من المشاعر الإنسانية، ولعل واحدة من أبرز هذه الخصائص في تجربة السيّاب؛ هي الرغبة بالتطهير بفعل إحساسه بالذنب، ويقظة الضمير الذي يطارده كمن اقترف خطيئة. اقرأ أيضًا: 5 كُتّاب شباب يعدون بالكثير.

استفاد السياب من الأساطير البابلية والسومرية واليونانية إذ مزج بينها وبين همومه الذاتية التي كانت قلقة نتيجة قلق عصره واستنجاده بالأسطورة كمدلول رمزي نتيجة عشقه المثالي إلى عالم حالم يبتعد به عن التناقضات؛ فاستخدمها مرة لاتقاء شر السلطة الغاضبة وأخرى لاتقاء شبح الموت الذي داهمه واستحوذ على مشاعره نتيجة المرض الذي طال أمده.

 

في قصيدة "رؤيا في عام 1956"؛ يرمز السياب إلى روحه بصورة "غنيميد"؛ إنها صورة الحب المقترن بالعذاب؛ مزج بين الرؤية الواقعية والرؤيا النفسية معًا.

غنيميد راعٍ يوناني شاب، وقع في حبه زيوس؛ كبير آلهة الأولمب الإغريق، الذي يختطفه فيقول:

 

أيها الصقر الإلهي الغريب

أيها المنقذ من أولمب في صمت المساء

رافعًا روحي لأطباق السماء

أيها الصقر الإلهي ترفق

إنّ روحي تتمزق

 

 

في هذه القصيدة يصور لنا السياب المحبة المدفوعة مسبقًا، يصور نفسه ضحية يتحمل العذاب من أجل الآخرين. اقرأ أيضًا: كيف تحوّل القراءة وقودًا للكتابة؟

 

بدر شاكر السياب الذي غنى لبلده، لعراقه، لشمسه، لمطره، لأنهاره، لجداوله ونخيله، لحلوه ومره؛ يقف تمثاله بشموخ على ضفاف شط العرب؛ ذلك الشط الذي نسج له السياب قلائد ورد تزينه، يقول أدونيس عنه:

"الحياة نفسها عند السياب قصيدة، لقاء بين شكل يتهدم وشكل ينهض، إنها انبثاق أشكال لأنها انهدام أشكال، وهي كالقصيدة شكل، وليس الشكل تمثيلًا نقليًا أو وصفيًا؛ إنه فضاء خارجي يحتوي فضاءً داخليًا".

 

 

تتداخل الأسطورة لتصوير التضحية التي يتمثلها السياب مع أساطير أخرى، فهو يقول أيضًا:

صالبا عيني تموزا مسيحا

 

 

يظهر من معالجة الآثار الأدبية للسياب وغيره أنّ استخدام كلمة "مسيح" في آثارهم رمز يدلّ على البعث والنشوء وهو رمز للقيامة والبعث بعد الموت. المسيح مات مصلوبًا لذا يتخذه شعراءنا دلالة على المعاناة والمحنة، فهو رمز إلهي ومخلّص يفتدي البشرية والسياب يعتقد أن المسيح هو الذي يغطـي عري الفقراء، يكسو عظامهم ويبلسم جراحهم، هو الشق الإلهي من البشر ويطلّ علينا المسيح بوجه آخر متقمصًا شخصية إله الخصب تمّوز، إذ إنه يعلن أنّ الدماء الدافئة ستجري في قلبه بطلوع الربيع في قرية جيکور. وهو يشير في ذلك إلى خصائص أسطورة تموّز نفسها، إلى الموت والفناء وبعد ذلك يشير إلى البعث والحياة. اقرأ أيضًا: أنطون تشيخوف: ما بعد حداثيّ سابق لزمنه.

 

تلخيصاً لمحورِ التوحّدِ نقولُ: حينَ يرى السيّابُ أنّ فجيعتَهُ دائمة الحضورِ في حياتِهِ، فإنّه يحاولُ أن يسبِغَ عليها ما يجعلها تشكّلُ عندَ المتلقّي معايشةً، أو مشاركةً إنسانيّةً لمعظمِ ما يُعانيه.

 

ولمّا كانت رموزُ العذابِ كثيرة في تاريخ الإنسان، فإنّ السيّابَ قد جعلَها تعبّرُ عن حالتِهِ الفرديّةِ، بأنْ وحّد بينها وبين عذابه وآلامه وصولاً إلى تعميم الحالة، وتوسيع دائرتِها الإنسانيّةِ، لأنَّ الفرديَّ وحدهُ الذي يثيرُ اهتمامَ الفنّ عندما يكونُ فيهِ شيءٌ يُعبّرُ عن العامِ فيعكسه. يوحّد السيّاب بينَ رمزي السيّد المسيح، وتمّوز، ثمَّ يتوحّدُ بهما من خلالِ مونولوج درامي ذي وقع ٍ جنائزيٍّ حزينٍ. اقرأ أيضًا: 5 روايات حاصلة على جوائز أدبيّة عليك ألّا تؤجّل قراءتها.

 

في كل مقاطع القصيدة ينثر السياب أوجاعه مستندًا على الأسطورة، ومتنقلًا بين الأساطير بتدرج نفسي منضبط؛ فقد امتلأت القصيدة بأجواء من التشاؤم؛ ليضع القارئ في جو ترف فيه المشاعر الإنسانية؛ ليدخل القارئ مع الشاعر في منظومة الفكرة التي يريد الكاتب مشاركة القارئ فيها بالإحساس الأولي من وراء تصوير الطبيعة بهذه الصورة القاتمة التي توحي بكل ما هو مأساوي ويائس.

 

وبعد، فإن الدارس لهذه القصيدة يدركُ أنها لوحة فنية مرسومة بعناية، لتعبر عن فكرة واحدة، يصعب –وإن حاولنا- اختصار مضمونها. إنها الوحدة العضوية والموضوعية التي تعبر بكل بساطة عن موضوع إنساني عام. اقرأ أيضًا: أغانٍ أدبية مقتبسة عن كتب.

 

ولقد كانت القصيدة تسير في مسار خطي وتتبع التسلسل المنتظم للأفكار؛ إذ كان كل مقطع ينتهي بنقطة تعد بداية للمقطع الذي يليه، بتدرج نفسي يجذب المتلقي.

 

إنه ربط عظيم الدلالة بين شخصية السياب والرمز الأسطوري، الذي ينم عن الثقافة الموسوعية لديه، واطلاعه الكبير على الثقافات المختلفة.

 

جسّد السيّاب شعره في حياته وحياته في شعره، فكانت القصيدة عند السيّاب لقاء بين شكل يتهدم وشكل ينهض؛ في قصيدة "رؤيا في عام 1956"؛ يجد رمزاً لحياته وشعره معاً، يستوطن المعنى الشعري في بؤرة الروح ويمكن التنقيب عنه بوسائل الشكل، وما يميز السيّاب أن الشعر قد وجد في روحه وطنًا نما فيه وترعرع بين أحضانه، فـما يبدو جميل لدى السيّاب هو الحقائق الجديدة والمفاجئة في خبرته الداخلية الفريدة لا في صوره الجديدة المفاجئة، إن (الجمال) لا ينفرد في (الصورة) أو (البنية)، أو (اللغة الشعرية) أو (الشكل)، بل في حالة الكشف عن معنى، عبر مشاعر شديدة الفراسة والشخصية. اقرأ أيضًا: الماعز والبامبو: بناء الوافد في النص الروائي.

 

جعل السيّاب من الشعر عالمًا موازيًا للواقع، إذ يمتاز أسلوبه بما يعرف بالتعبير بالصور، أو محاولة إيجاد المعادل الموضوعي في الأدب؛ لذا فقد كان شعره بمثابة العالم البديل لعالم الواقع المرفوض، لأن شعر السيّاب يكشف عن هويته، وهوية الإنسان الذي وراءه بصورة تبدو أحيانًا (طبيعية) وغريزية، لا هوية رجل المواقف والأفكار والاتجاه والمذهب.

 

 إن الإحساس الصادق في شعر السيّاب كان انعكاسًا لنبضات قلبه وخفقات وجدانه وتوق روحه إلى خلاصٍ ما، إذ كان يؤكد وجوب احتواء الشعر على ديباجة قوية وموسيقى ظاهرة وأسلوب ممتاز ليمكن قراءته أولاً ولكي تستسيغه الأذن والروح ثانيًا.

 

 

اقرأ أيضًا:

"شيء خطير جدًا سيحدث في هذه القرية"؛ قصة لم تنشر لماركيز

في استخدام الراوي العليم: أورهان باموق وميشيل ويلبيك أمثلة

4 كتب تغذوية تحتاجها لصحة أفضل

رحلة في حياة منسي؛ الإنسان النادر على طريقته‎