نظرة على تجربة نبيل عبد الكريم القصصية: مجموعة مصعد مزدحم في بناية خالية نموذجًا

يُطلُّ علينا الكاتب الأردني نبيل عبد الكريم بمجموعته القصصية الثانية والتي صدرت عن الدار الأهلية في الأردن عام 2016.

وُلد نبيل محمود حسن عبد الكريم يوم 26/9/1969 في إربد، أنهى الثانوية العامة في مدرسة الزرقاء الشاملة سنة 1987، وحصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من الجامعة الأردنية سنة 1993، وشهادة الماجستير في الأدب العربي والنقد من الجامعة الهاشمية سنة 2008.يعمل مدرّساً في وزارة التربية والتعليم منذ سنة 1995.

 

فاز بمسابقة رابطة الكتّاب الأردنيين لغير الأعضاء (حقل القصة) سنة 1994 عن قصته "الفأر"، كما فاز بمسابقة القصة القصيرة التي نظمتها الجامعة الأردنية سنة 1992.وهو عضو في رابطة الكتّاب الأردنيين، ونادي أسرة القلم الثقافي بالزرقاء.

 

أعمال نبيل عبد الكريم الأدبية:

  • "الصور الجميلة"، قصص، دار أزمنة، عمّان، 1996
  • مصعد مزدحم في بناية خالية، الدار الأهلية، 2016

 

مقدمة عن البناء القصصي:

إن المشترك في قصص نبيل عبد الكريم في الحديث عن المشكلات التي تواجه الأفراد في هذا العصر، فهي تستند إلى الواقع لتشكل منه المادة الخادم لبنية القصص، فالكاتب لا يمكن أن ينأى بنفسه عن واقعه، أو يتجرد من محيطه ومن نفسه.

وإن ما يجمع قصص نبيل عبد الكريم هو "الأسلوبيات" وهي النسق العام، والبنية اللغوية الموحدة، وهذا ما أكدّه الكاتب في لقاء في الجامعة الأردنية، وكما قال الكاتب أيضًا: لقد استخدمتُ الشخصيات لتعبّر عن مصائر البشريّة بشكل رمزي.

ويبدو واضحًا أن الكاتب لم يبن مجموعته على موقف معين، أو لخدمة فكرة معينة، فهو كما أسلفنا أراد التعبير عن المشاكل بصورة رمزية، وبعين الكاميرا.

 

الصورة الفنية والبناء الرمزي عند نبيل عبد الكريم:

إن الرموز عند نبيل عبد الكريم كانت نادرة، ولكنها كانت ذات التفاتات مميزة، ففي قصة "عودة السيدة "والتي تحكي قصة امرأة مريضة في مستشفى، استحضر الكاتب درويش وأمل الحياة، كما استحضر الرمزية الدينية لحركة الطواف وربطهما بطريقة مقعدة، ولكن كانت لا تخلو من الحشو، فعندما قال: بكامل مشمشها، الأجدر به أن لا يذكر مقطعا من القصيدة؛ لأنه وبشكل بدهي سوف يستحضر القارئ قصيدة درويش" على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

 

أما في قصة " العضو الجديد" فكان "للباذنجان" صورتان متناقضتان تمامًا، فهو يقول عندما أراد مدح "ميساء": لتقدم له صدرها متحررًا من قيد الحمالة، ومسترخيًا كباذنجاتين طازجتين" فهذه الصورة ليست بمكانها، فالباذنجان عندما يتم طهوه يصبح ذابلًا، لا حياة فيه، وهذا ما أكده الكاتب أيضًا في الصفحة التالية من القصة إذ يقول: "يشبه الذبول في باذنجانة فقدت كياستها وانكمش لبها"، فكيف الاستخدام للمدح والذم باستخدام الباذنجان بالطريقة نفسها.

 

كما أنّ القصة لا تخلو من الحشو أيضًا، فعند معرض الحديث عن خلع ميساء لملابسها، أورد الكاتب الكثير من التفاصيل التي يمكن تجاهلها دون أن تؤثر على البناء القصصي، وقد استخدم الكاتب صورة فنية ليست بمكانها، فقوله: فتبدو مؤخرتها مثل قالب الجاتو المزين بحبتي عنب"، ما المقصود بذلك، أو ما هو المميز بذلك، وكيف يمكن أن ترتبط ذهنيا لتشكل صورة حقيقة عما رآه الزوج.

 

يقول الكاتب أن الزوج رأى القلق في ميساء وهي تمشط شعرها بحركة رتيبة وكأنها تنظف سجادة، وأول سؤال تبادر لذهني: كيف القلق يمكن جمعه مع تنظيف السجاد، إذ إن حركة تنظيف السجاد حركة متكررة تنم عن الملل، لا القلق، فكيف يكون القلق والملل مجتمعان؟.

 

أمّا في قصة" عمارة الشيخ حامد" فهي قصة تتحدث عن مشكلات عصرية، نعاني منها الآن في زمننا هذا، وكان السرد فيها متوترًا يعلو ويخفت وفقًا للحالة النفسية التي كان يمرّ فيها بطل القصة، ولكن أيضًا كان هناك بعض التفصيلات التي يمكن الاستغناء عنها كـ: أن الزوجة تستخدم اللولب لمنع الحمل" فالوظيفة معروفة مثلا لهذا الشيء فلماذا تم التفصيل به، كما أنه ذكر في معرض حديث عودة أحمد للديار أن الطفلة سمينة، ولكن بدأ الكاتب بذكر تفاصيل السمنة، مع أن العبارة واضحة ويمكن أن تتسع في ذهن المتلقي.

 

في قصة " إشارات سماوية" فقد استخدم الكاتب تقنية الراوي المتعدد، حيث أن القصة تروى من زوايا مختلفة، ومن شخصيات كل حسب وجهة نظرها، ومع ذلك فقد استخدم الكاتب صورة فنية شديدة الغرابة، وأظنه قد أخطأ في توظيفها، فقد قال في معرض حديثه عن مرام وتوجهها للسيارة التي أمامها: تتجه نحوها كما يتجه حجر النرد إلى الخانة المقدورة له ويستقر فيها "، أظن أن حجر النرد للحديث عن الحظ، واستعارتها هذه لم تكن في مكانها.

 

في القصة نفسها، استخدم الكاتب أيضًا صورة فنية لم تكن في مكانها، فقد قال في معرض حديثه عن مرام عندما سمعت الرقم12 من الشرطية: تلقفته كما يتلقف جندي الدبابة الهجوم دون اكتراث بالأعشاب التي ستهرسها جنازيره"، فالحالة التي أصابت مرام هي اللهفة والاهتمام، والحالة التي تصيب الجندي انصياع وامتثال، فكيف يمكن الجمع بينهما، بصورة فنية واحدة.

 

في قصة " زر في جوف حوت" فقد استخدم الكاتب العمر في بداية القصة للدلالة على الفتاة التي غادرت الجامعة، وركبت الباص، ولكن كان هناك تكرار لكلمة" المستجدة" والتي لم أر لها داع، فسن الثامنة عشر يكفي ضمنا لمعرفة أنها مستجدة.

ولكنني لا أنكر أن نهاية القصة أصابتني بشيء من الذهول عندما انقسم الزر الذي شغل تلك الطالبة طوال القصة في البحث عنه.

 

 

وفي قصة " النداء الأخير" وهي القصة التي جمدت أمامها كثيرا، قصة معقدة ومكثفة للغاية، تقوم فكرة القصة على: أن الزوجة ترى كابوسًا في نومها، والزوج الذي يعيش هذا الكابوس ويرويه لنا، فكرة غريبة تنم عن ذكاء الكاتب، وعبقريته.

وقصة "روائح الجنة" أيضا قصة واقعية، أخطأ الكاتب هنا فيها باستخدامه صورة فنية، فالدموع التي كانت تنهمر من أم بدر شبهها بالماء المتدفق من الحنفية، ولكن عندما قال: أغلقت عينيها كمن يغلق حنفية ماء، لم أستطع الوصول إلى المعنى من هذه الصورة، توقفت عن البكاء هو كل ما أراد قوله، ولكن جلب الصورة الفنية عمل على إضعاف البنية الأساسية للقصة.

 

ختامًا؛ لا يسعني إنكار موهبة نبيل عبد الكريم وقدرته على الكتابة، وكل ما قدمته هو وجهة نظر فقط.