نيرفانا التي يعثر عليها سدهارتا

ينشأ سدهارتا نشأة زاهد متعبد بين البراهميين، حيث يتتلمذ على يد أبيه التقي ويقضي أيامه في الصلاة والتأمل بصحبة غوفيندا. وهو في نظر الجميع نجم واعد وبخاصة غوفيندا الذي كان يتطلع إليه ويتبعه في كل خطوة. سدهارتا كان يلاقي القبول والإعجاب في عيون الفتيات، وقد يكون من المهم أن أذكر ذلك من باب تبيان اكتمال صفاته الجوهرية والظاهرية وهو الذي يتحول في نهاية الرواية إلى إله أو شبيه إله، ومن جهة أخرى لاعتقادي بأهمية ذلك لتفسير حب الناس له واستعدادهم لطاعته ولو جزئياً. اقرأ أيضًا: التحرر من الزمان والمكان في "لعبة الكريات الزجاجية"

 

 

يقرر سدهارتا عند رؤيته مجموعة من السامانا الحجاج تمر بالغابة أنه سيلتحق بهم، ويستبشر بالخبر تابعه غوفيندا الذي ينضم هو أيضاً إلى السامانا. والد سدهارتا يعارض رحيله مع السامانا ولكن سدهارتا يقف مكانه طوال الليل حتى ينال إذنه.

 

لا يفارق الشك قلب سدهارتا، وبعد ثلاث سنين مع السامانا، يصوم ويفكر وينتظر (ويتسول طعامه)، يكرر على مسمع غوفيندا أنه كفر بالتعاليم كلها وأنها غير مجدية، ولا يمكن أن تفسر أو تعلّم الوصول إلى النيرفانا مهما تحدثت عنه. وهنا يلتحق غوفيندا بغوتاما البوذي ويرحل سدهارتا إلى المجهول، منصرفاً عن الوعاظ ومقبلاً على نفسه التي لم يكن يعرفها.

 

توقفت قليلاً عند خيار المعلّم الثالث والأهم في حياة سدهارتا: كامالا، الغانية المشهورة التي قرر سدهارتا حينما رآها أول مرة أنها ستعلّمه الكثير، عن فنون الحب طبعاً. للوهلة الأولى بدا الاختيار مبتذل، ثم تذكرت أن الرواية منذ البداية اتخذت مساراً يبدو في ظاهره سطحياً ومتوقعاً (شاب نشأ نشأة متدينة يشعر بنقص في حياته فيبدأ رحلة البحث)، وفي واقعه عميق بالقدر الكافي لإيصال الأفكار والمشاعر التي يتبناها هيسة في هذه الرواية القصيرة عن الروحانية وماهية الإنسان والكون.

 

يتعلّم سدهارتا من كامالا ومن تاجر يعمل معه في الكتابة ثم يتوسع في عمله معه ليصبح بدوره غنياً. في البداية ظل سدهارتا يشعر بالغربة بين الناس العاديين، يحتقرهم أحياناً لمشاعرهم الوضيعة ويحسدهم أحياناً أخرى لقدرتهم على الحب والدهشة، وكثيراً ما كانوا يذكرونه بالأطفال. بعد قرابة عقدين من الانغماس في اللذات (كان يسميها سدهارتا في حياته السابقة وهم)، تحوّل سدهارتا لإنسان عادي، يغضب ويفقد صبره، يراكم المال ويسكر ويقامر وبالطبع يرتدي أكثر الثياب بذخًا.

 

ثم، وكما هو متوقع يشعر بالقرف واليأس والاقتراب من الفناء عندما يدخل عقده الرابع؛ فيهجر كل شيء حتى كامالا التي يتضح أنها تحمل ابنه في أحشائها، ويعود للنهر الذي عبره إلى المدينة عندما كان شاباً.

 

هنا يحدث الجزء الأجمل بالنسبة لي، الجزء السوريالي. يصبح سدهارتا مراكبياً يعبر بالناس النهر، ويتعلّم منه كل شيء فيضحي سعيداً لأول مرة في حياته، على الأقل حتى ظهور ابنه من كامالا، الذي لم يكن يعرف أباه وكان مدللاً معتاداً على الأمر والنهي ورفاهية حياة المدينة. جرّب سدهارتا للمرة الأولى في حياته أن يحب، وبالرغم من الألم والشقاء الذي سببه رفض ابنه له إلا أنه كان سعيداً راضياً ومصمماً على كسب وده. وبهروب ابنه عائداً إلى المدينة يعاني سدهارتا طويلاً.

 

يحاول سدهارتا شرح التحول الذي طرأ عليه لغوفيندا الذي يقابله بعد طول زمن وقد شاخ كلاهما، قائلاً إن الكلمات والأفكار هي نفس الشيء وأن الكلمات تحول ما يفكر فيه إلى أشياء سخيفة وساذجة لا يصدقها عقل ولكنه يحاول على أية حال، لإنه يطيب له أن لا تلاقي الأفكار القبول عند جميع الناس، وأنه شيء حسن.

 

يضيف سدهارتا، أن الباحث عن الحقيقة لن يجدها في حلقات الدروس، أما من يعثر عليها فيمكنه أن يختار الطريق التي يريد.

 

وفي لحظة، يقبّل غزفيندا جبين سدهارتا فيرى في وجهه العالم. أصبح سدهارتا هو الإله، ولكننا جميعاً آلهة وخطّاؤون في نفس الوقت، وفي كل لحظة نحن كل شيء، سمكة وطفل رضيع وحجر وسارق ونهر وغابة، ونحن أطفال وشباب وشيوخ، منذ البداية والزمن متصل والحيوات متصلة.