هل لجائزة نوبل أجندة سياسيّة؟

 

 

يكثر اللغط كلّ عام، مع اقتراب الإعلان عن الفائزين/ات بجائزة نوبل، حول ما إذا كانت الجائزة تتبع أجندة سياسيّة أم لا. هذا الجدل، أدّعي أنه لا يقتصر على جائزة نوبل من حيث شهرتها، بل هو، أولًا، جدلٌ يتعلّق بالجائزة من حيث كونها جائزة أساسًا، خاصّة في ظلّ غياب واضح لمعايير يمكن معها محاكمة مخرجاتها. وثانيًا، يلعب وجود فرعٍ يختصّ بالسلام دورًا في إذكاء هذا اللغط، لما لها من ارتباط وثيق بالسياسة.

 

أحاول هنا، بعد تتبع لبعض الأسئلة، والأمثلة، الوصول إلى إجابة عن هذا السؤال: هل لجائزة نوبل أيّ أجندة سياسية؟

 

في تاريخ الجائزة السياسي

حدد ألفريد نوبل في وصيته المعيار الذي تُعطى من أجله الجائزة، ففي فرع السلام مثلًا يقول: "تعطى الجائزة لأفضل إنجاز يؤدي للمآخاة بين الشعوب، أو يعمل على إنهاء أو التقليل من خطر الجيوش المتحاربة، كما تعطى لمن يسعى لإقامة وتعزيز مؤتمرات السلام". وهو بهذا لا يفشل في تعريف معنى السلام فحسب، بل يبدو أكثر كمن يعرّف الماء بالماء. فهو هنا يتجه إلى النتائج مباشرة دون المرور بمسببات النزاع. أتفهّم أنّ النيّة سليمة، وأنّ التنظير قصير النظر مقارنة بالتطبيق، لكن كان لا بدّ من ضبط أكبر لأخلاقيّات منح الجائزة وحجبها، أقلّها بإشارة إلى التعاطي مع كلّ موقفٍ على حدة، دون اتّباع وجهة نظرٍ أحاديّة التوجه، كما سيتبيّن لاحقًا. اقرأ أيضًا: 5 كتب ممنوعة.

 

محاولة إيجاد تعريف للكلمة، انطلاقًا من انحيازات الجائزة على مر تاريخها، مضاف إليها التبريرات القصيرة التي ترفقها اللجنة المانحة، تجعل المعنى أكثر قربًا إلى الإذعان منه إلى السلام؛ إذ ثمّة مساواة واضحة لأطراف النزاعات، دون الالتفات لمعايير القوى.

 

على سبيل المثال، أُعطيت جائزة السلام في العام 1974 لرئيس الوزراء الياباني إيساكو ساتو (مناصفة مع الإيرلندي شون ماك برايد) "لتنازله عن خيار اليابان النووي، وتركيز جهوده في إقامة صلح إقليميّ". كلّ هذا يتم بتحييد تام للولايات المتحدة، وكأنّ ما فعلته كان حدثًا عابرًا، تكافأ عليه بالصلح، ومنح جوائز الترضية للفريق الخاسر. اقرأ أيضًا: إسرائيل في أعين الكتاب العالميين.

 

 

بعيدًا من هذا، أُعطيت الجائزة في العام 2009 لباراك أوباما، قبل أن يكمل عامه الأول في البيت الأبيض. وفي معرض هذا، حاول أوباما التملّص من الحرج بقوله أنّه يعتبر منحه الجائزة أنها جاءت "كتأكيد على القيادة الأمريكية بصفتها تمثّل التطلعات العالية للشعوب كافة، أكثر من كونها اعترافًا بإنجازاته الشخصية".

 

ثمّ، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ إسرائيل كانت حاضرة على الدوام في أجندة الجائزة، خاصّة حين يتعلّق الأمر بالمعاهدات الدولية (كامب ديفيد 1978، أوسلو 1994)، وربما يمكن أن نوعز تجاوز الجائزة لأطراف معاهدة وادي عربة إلى قرب الفترة الزمنية بينها وبين معاهدة أوسلو. كلّ ذلك كان يتم مع الترويج لقادة إسرائيليين أمثال بيغن، ورابين، وبيريز على أنّهم حمائم سلام، متجاهلين الحقيقة الرياضيّة بأنّ القاتل لا يمكن أن يكون إلّا قاتلًا.

 

قبل التحوّل إلى ما يخصّ الأدب، أودّ الإشارة إلى أنّ الجائزة، وإن لم تكتفِ بلعب دور المتفرّج الذي يصفق لما يراه خيرًا، بل همّت بتكريمه أيضًا، فهي تصرّ باختياراتها أن تكون متفرّجًا غربيًا، يتنكّر لهويّته الشماليّة أولًا، ويُعلن صراحة تبنّيه لمعايير أمريكيّة/غرب أوروبيّة لما هو خير أو شرّ ثانيًا. اقرأ أيضًا: 11 مرشحًا؛ من يفوز بجائزة نوبل للأدب 2016؟

 

 

هل يمكن التعامل مع جائزة الأدب، بمعزل عن الأفرع الأخرى؟

قد يتساءل المرء ما إذا كان هذا الانحياز مقتصرًا على فرع السلام، دونًا عن باقي الفروع. وقد يتّسع السؤال إلى إمكانية الفصل في التعامل بينها. وللحق، فإن اختيارات الجائزة في فروع أخرى أكثر صعوبة في قراءتها، ومحاولة تبيّن نمط يربط بينها. اقرأ أيضًا: لماذا يندُر الأدب حول الحقبة الستالينيَّة؟

 

على سبيل المثال، يصعب أن نحيّد العامل الأدبي (الجمالي)، عند الحديث عن اختيار كتّاب متنافرين حد الإطلاق في توجهاتهم السياسيّة، أمثال جوزيه ساراماغو من ناحية وبابلو نيرودا من ناحية أخرى.

 

دون الالتفات لقيمة الكتابة بذاتها، سنجد أن ساراماغو مثلًا كان منحازًا لقيمٍ تُسائل أدوات القمع على الدوام، وانحاز للناس في وجه القمع،  في المقابل نجد بابلو نيرودا يتغنّى بمواهب ماو تسي تونغ (واحدة من ابتكارات ماو كانت "كوتا الإعدام"، أي نسبة ثابتة لعدد الأشخاص الذين يجب قتلهم للحفاظ على قوة الشعب) حين يصفه بالشاعر، كما يرى فيه ميزات أخرى "فهو، كما تعرف، سباح ماهر، وأنا لا أعرف السباحة على الإطلاق".

 

في ظل هذا التنافر الكبير في اختيارات الجائزة، بين كتّاب اقتربوا كثيرًا من السلطة وآخرين افترقوا عنها، يصبح من المحال تقريبًا محاولة تفسير عدم منح الجائزة للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس بناءً على العامل السياسي وحده (يُقال أن موالاة بورخيس لانقلاب التشيلي بزعامة بينوشيه كان أحد أهم أسباب حرمانه من الجائزة). اقرأ أيضًا: ككاتب يجب عليك أن تفهم.

 

إذن نعود للسؤال، هل يمكن التعامل مع فرع الأدب بمعزل عن الفروع الأخرى؟ يبدو السؤال مشابه لسؤال: هل يمكن التعامل مع الكتّاب بمعزلٍ عن شخصيّاتهم، أو آرائهم السياسيّة على سبيل المثال؟ نحن هنا أمام خيارين، إمّا الأخذ بمخرجات الجائزة، بسيئاتها قبل حسناتها، وإمّا أن نرفض التعاطي معها. وبين هذا وذاك، يظلّ الخيار مفتوحًا للقرّاء كافّة.

 

 

ماذا عن نجيب محفوظ؟

يسود في الأوساط المحافظة، التي غالبًا ما عرفت نجيب محفوظ من الأفلام المقتبسة عن رواياته لا من رواياته ذاتها، بأنّ رواياته يكثر فيها الفُحش. وتاليًا يأتي الحُكم على أنّ هذه الجائزة مُسيّسة، بحيث تعني السياسة هنا محاولة إفساد الأجيال، بكل حمولة هذه الكلمة من مبالغات. اقرأ أيضًا: النجيب والقُطب: نظرة على ما كان بين الأستاذين.

 

ما يُمكن قوله في هذا الشأن، أن نجيب محفوظ قد مُنح الجائزة كما نصّ الإعلان لأسباب تتعلق بواقعيته واضحة المعالم، وللغموض الشعري الذي يكتنفه سرده، وأشياء أخرى كلّها تشير إلى قراءة حقيقيّة لأدب محفوظ. ولكن، إن كان لا بُد من قول شيء بشأن دخول السياسة في منحه الجائزة، والقول هنا من باب "ذكر الشيء" لا أكثر، فإننا نذكر وقوف نجيب محفوظ إلى جانب معاهدة كامب ديفد 1978. والأمر هنا سياسة بحتة، مع التذكير أيضًا بأنّ الجائزة احتفت بهذا الحدث بمنح جائزة السلام مناصفة لأنور السادات، ومناحيم بيغن. اقرأ أيضًا: أدب الانتفاضة.

 

 

إذن؛ هل هناك قول فصل؟

ثمّة إشارات يصعب التجاوز عنها تشير إلى توجّه ما في اختيارات الجائزة. لكن تظلّ هذه الدعوة احتمالًا غير مثبت طالما لم يفصح مسيّرو الجائزة عن أغراضهم.

 

أخيرًا، لا بدّ من القول أن للجائزة فضل التعريف بأشخاص/أعمال لم تكن لتعرف دونها.

 

 

اقرأ أيضًا: 

23 حقيقة عن جائزة نوبل للأدب

من العالم إلى غزة: كتُب مصعب أبو توهة

كيفيّة التغلّب على عقبة الكاتب

10 كتّاب خسرتهم جائزة نوبل للأدب