وجيه غالي ورواية لم يتردد صداها

 

 

في مصر الستينات، قد لا يكون أحد من المهتمين بالأدب خاصّة في مصر، قد سمع بوجيه غالي. بالطبع هناك العديد من الأسباب التي قد تقال في هذا الموضع؛ منها عدم كتابته أكثر من رواية واحدة في حياته؛ “بيرة في نادي البلياردو” (دار الشروق/ ترجمة إيمان مرسال وريم الريّس/ 283 صفحة). عدا عن أنّها مكتوبة بالإنجليزية.

 

ثمّة فضول لذيذ يلحق بكتّاب الرّواية الواحدة، ها هو وجيه غالي يفعلها، ولكنّه، ولإضافة المزيد من الدراما، أنهى حياته منتحرًا، تاركًا وراءه رسالة تقول: “أظن أن الانتحار هو الشيء الأصيل الوحيد الذي فعلته في حياتي”. ومن هنا قد يصحّ أن نسأل: إذا كان ما قاله صحيحًا، هل تندرج روايته هذه ضمن قائمة الأشياء الكثيرة غير الأصيلة في حياته؟ وقبل أن نجيب، يجب أن نضع في الحسبان حالته النفسية التي دفعته لقول ذلك.

 

يصعُب وضع هذه الرّواية ضمن إطار واحد، فمستويات العمل متداخلة إلى حد بعيد. قد يَصِحّ أن نُدرجها ضمن الأدب الذي استشرف علاقة الشرق بالغرب كموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح وما يتبع العلاقة من صراع في الهويّة. وفي مستوى آخر، يصحّ القول أنّها تأريخ لحياة الطبقة الأرستقراطية قبل وبعد ثورة 1952. وفي مستوًى آخر (وهو المستوى الأهم ربّما) هي قصّة حبّ بين رام، القبطي وإدنا اليهوديّة. تتداخل المستويات ويطغى بعضها على بعضٍ أحيانًا، إلّا أن شيئًا ما يصرّ على ألّا تأخذ الرواية اتجاهًا ما، يحصرها في زاوية ضيّقة، لتظلّ مشرعة على كلّ التأويلات المحتملة.

 

يمكن القول أنّ هذه الرّواية صرخة طويلة، صرخة في وجه الإنجليز والأمريكان ونظامهما الرأسمالي الأشبه بشاحنة كبيرة بلا سائق. لكنّها صرخة لا تخلو من السّخرية. “مصطفى سعيد” في موسم الهجرة إلى الشمال، استطاع بذكائه أن يكتشف نقطة ضعف الآخر؛ ميله إلى ذلك الشرق الساحر، أو ما أسماه الطيب صالح بالجنوب. لكن هنا، فإنّ رام، وصديقه فونت لا يملكان سوى الكثير من الكتب التي قرآها دون اهتمام بالغ. وثقافة إنجليزيّة تلقياها في المدرسة، مما زاد من حيرتهما لدى اتخاذ أي موقف.  “كان قد غرس فينا توقع “العدل” من الإنجليز. هذا الغباء في توقع “العدل” من الإنجليز، بجانب سلوكهم البعيد عن “العدل” كان ظاهرة غريبة لدينا”. هذا الميل للثقافة الإنجليزيّة ما كان يمكن أن يُبَتّ في أمره دون حادثة كبيرة “بالرغم من كل الكتب التي قرأناها عن مكر وقسوة سياسة إنجلترا الخارجية، كانت حرب السويس هي ما جعلنا بالفعل نصدّق ذلك”.

 

 

في جلسةٍ عائليّة أقيمت على شرف عودة منير ابن خالة رام من أمريكا تحصل مشادّة كلاميّة بينهما على إثر تبجّح “منير” بالثقافة الأمريكيّة “الديمقراطيّة الأمريكيّة هي النموذج، قائلاً: “يا سلام، يجب أن تروا هذا البلد”. لا يعجب هذا الكلام “رام”، إذ كيف يمكن ذكر الديمقراطية الأمريكية، دون الحديث عن الفقراء البورتوريكيين في أمريكا، أو عن الهنود الحمر منقوصي الحقوق؟ لينتهي الحوار بينهما بشتم رام لمنير ومغادرته المكان. نكتشف مع مرور الأحداث، أنّ كلّ هذا الانفعال لم يكن وراءه لا أمريكا ولا الديمقراطية ولا حتّى منير، بل نيل إعجاب الفتاة غير المعروفة على طاولة الطعام؛ إدنا اليهوديّة، التي لا يعرف رام كيف يمكنه أن يُوقِعها بحبّه، فيستمرّ بإدّعاء المعرفة حتّى يقول لها آنفًا: “معرفتي جعلتني جدير بكِ بعض الشيء”.

 

هذه الرواية مثقلة بمشاعر المسؤولية. المسؤولية تجاه البلد في ظلّ قيام ثورة 1952، من ثمّ في ظل العدوان الثلاثي سنة 1956، والمسؤوليّة أمام الذات بطبيعة الحال. لكن، هناك شعورٌ باليأس والعجز يحوم في الأجواء، ابتداءً بعدم تحدّث الشخصيات الرئيسة للغة العربية بشكلٍ جيد. كيف يمكن لرام أن يثبت أنّه ابن البلد، وهو لا يتحدّث لغة أهل البلد “أتعرفين يا إدنا أنتِ لستِ مصريّة، …أنتِ فقط لستِ مصريّة. وسأقول لكِ لماذا. هل تذكرين عندما قلتِ لي مرةً إنني لستُ مصريًا لأنني أنتمي إلى النخبة، إلخ؟ ولكنّني مصري، …أنا مصري حقيقيّ. عندي حسّ الفكاهة المصريّة”. لكن هل يغيّر هذا من الأمر شيئًا؟ يبدو أنّ رام مدرك لسخرية الموقف الذي هو فيه، وإلّا لما حاول أن يثبت مصريّته بهذا الشكل الساخر.

 

عادة ما يكون استخدام السياسة في العمل الأدبي سلاح ذو حدين، قد يودي به ليتحوّل إلى خطاب أيدولوجيّ بائس. فإن كان هذا العمل، قد حمل أصالة حقيقيّة، فإنّه نجا في جزئه الأخير، بصورة فجّة للإدلاء بآراء سياسيّة قد لا تعني شيئًاً، ولا تثري النص أيضاً. يقول رام لديدي نخلة، صديقته من أيّام زيارته للندن “تصوري ثلث دخلنا يُضَّخ في جيش لمحاربة مليونين بائسين من اليهود الذين ذُبحوا بوحشيّة في الحرب الأخيرة”. هل يمكن أن نعدّ ذلك من قبيل التعاطف الإنساني مع شعب لا مأوى له؟ لكن لو كان الأمر كذلك، فلماذا لم يأخذ رام بعين الاعتبار المجازر الواقعة في الـ 1948 من ذات المليونين البائسين من اليهود؟ لا يمكن أن يبرّر هذا القول إلّا عاطفيًا، نظرًا لارتباط الفتاة التي يحبّها (إدنا) عقائديًا بإسرائيل، وبهذا يصبح قوله متّسقاً مع ذاته، ومع اعترافه في موضعٍ ما أنه لم يعد على طبيعته مذ تعرّف عليها، فكلّ ما يقوم به، يفعله ادّعاءً، لكسب إعجابها، لا أكثر.

 

انتحر وجيه غالي في شقة الكاتبة الإنجليزية ديانا أثيل سنة 1969، وجدير بالذكر كما ذكرت المترجمة إيمان مرسال على مدونتها الشخصية أنّه خلّف وراءه رواية غير مكتملة بعنوان “Ashl Novel”، ومسودّتين صغيرتين كمذكرات شخصية، ولم تنشر جميعها حتى اللحظة. وما زالت حياته حتّى اللحظة يلفّها الكثير من الغموض، ولا مجال لمعرفة شيء عنها إلا من خلال تأويل هذه الرواية، التي يقال أن شخصيّة رام فيها تتقاطع مع شخصيّة الكاتب إلى حدٍ بعيد.

 

 

 

اقرأ أيضًا:

غربة وفقد ووجع في رواية "شوق الدرويش"

آفاق جديدة في رواية العطر الفرنسي

رؤية في كتاب "الضحك والنسيان"