4 منصات إلكترونية تساهم في نشر الإبداعات العربية

 

يقول نيلسون مانديلا في كتابه رحلتي الطويلة من أجل الحرية: "وحدها جدران الزنزانة شهدت كتاباتي ورسائلي على الحائط!" يرجعنا ذلك إلى مقولة ناجي العلي المعروفة: "ظللت أرسم على جدران المخيم ثم نقلت رسوماتي إلى جدران السجن!" أما الرسمة الأولى التي وضعت ناجي العلي على طريق النشر، هي رسمة أخذها منه غسان كنفاني وهو في زيارة لمخيم عين الحلوة وقام الأخير بنشرها في "مجلة الحرية"، من هذه النقطة ولج إلى تميز.

 

الدوران في فلك تلك الفترة: ركزت المدارس على المجلة والصحيفة الحائطية، مما ساعد على إبراز المهارات الأدبية عند الطلبة آنذاك. غير ذلك كانت الأفكار تظهر على شكل يوميات ومذكرات تُكتب على دفاتر وقصصات ورق وبناء عليه تلاشت المواهب لأن صاحبها لم يجد عنواناً للنشر.

 

الآن أصبح المجال مفتوحًا للمواهب وبإمكان الجميع النشر وتحميل المواد إلى مواقع إلكترونية متخصصة في تعميم الكلمة لتصبح متاحة على الانترنت.

في هذا المضمار، اهتم المثقفون والأدباء بمثل هذا، فقاموا بإنشاء منابر كثيرة لا مجال لحصرها. بين أيدينا -على سبيل المثال لا الحصر- أربع منصات إلكترونية تحتوي هذه الكتابات وكل ما يتفرع عنها.

 

 

1- مبادرة سما

عن مؤسسة سما لنشر كتب وأدبيات الطفل، في يوليو2017، قامت الدكتورة فاطمة البريكي بتطوير فكرة المؤسسة بتحويلها إلى بوابة إلكترونية للكتابة، تحمل شعار (كن جرئياً كن كاتباً)، موقع: "مبادرة سما للكتابة الابداعية"، منصة تقدم يومياً منشوراً تدريبياً يطرح العنوان وفكرته والمطلوب بلورته إلى قصة أو مقالة أو نادرة من النوادر، ثم تنشر المواد.

وحسب البريكي عشية مرور شهرين على الانطلاق: "فريق العمل ما زال متحمساً، والناس متفاعلة وكثيرون يرسلون لنا ما يكتبون، ليقوم فريقنا التطوعي بالمتابعة والنشر!".

إذن أكثر من مئة تمرين ساهم في حله أكثر من ألفي مشارك ومشاركة. بذلك نجد أن المبادرة استقطبت المبدعين الأطفال وأهاليهم، على السواء وبلورت عندهم الحس الأدبي. وشجعت كُتاب الأطفال والأطفال على نشر نتاجهم، يواكب ذلك ورش عمل للكتابة والرسم تحت عناوين مختلفة تنمي الخيال لدى الطفل.

 

 

2- مبادرة كاتبني

تختلف هذه المبادرة نوعاً ما عن المنابر الأخرى، وإن كانت تصب في نفس الهدف. وعلى أي حال، فإن "كاتبني" هي مبادرة أُسست لخدمة المؤلفين والكُتاب والقراء ومؤسسات النشر. انطلقت في اليوم العالمي للكُتاب وحقوق المؤلف يوم 23 ابريل 2017. كما صرح مؤسسها الكاتب "سعود البلوي"، فإن هذه المبادرة جاءت لدعم الانتشار والتعريف بالمؤلفين وإتاحة الحصول على نتاجهم المعرفي وأهميتها أيضاً تعزيز القراءة والكتابة، ودعم انتشار الكُتاب وإتاحة الحصول على نتاجهم عبر التواصل بين المؤلف والقارئ. وأكد "البلوي" عزم المبادرة تكريس وجود وانتشار الكتاب العربي بنمطه الورقي والإلكتروني، مضيفاً أن المبادرة تهدف إلى الإثراء المعرفي والتواصلية الثقافية والتوعية بحقوق المؤلف للوصول إلى إطلاق منصة "كاتبني" الإلكترونية. (صحيفة سبق 24 ابريل 2017).

ورغم أن هذه المبادرة تعتبر فتية، إلا أنها مبادرة واعدة وتعول عليها شرائح كبيرة عاملة في حقل التأليف.

 

 

3- كتاب مؤثرون

منصة إلكترونية لنشر المنتجات والكتابات الإبداعية الأدبية للكُتاب الشباب في الوطن العربي للتعبير عن قضاياهم وأحلامهم وأحاسيسهم من خلال الكلمة باختلاف أشكال النص.

يدير المنصة مجموعة من الكتاب الشباب من ذوي الإعاقة من كلا الجنسين وهي إحدى مخرجات مشروع "تحسين قدرات الكُتاب الشباب من ذوي الإعاقة"، شعارهم؛ لا حدود لكلماتنا.

هذا منبر أعطى الفرصة للتواصل والتفاعل مع شباب العالم لهذه الشريحة المهمة من شرائح المجتمع وهذا الموقع يحظى على دعم وشراكة عدة مؤسسات دولية وعربية.

 

 

4- ملتقى المرأة العربية

حول "ملتقى المرأة العربية" حاورت "أمل الحارثي": فكرة الملتقى أن يكون للمرأة مجلة ثقافية بعيدة عن عالم الطبخ والموضة، تعنى بفكر المرأة قبل أزيائها وتشجعها على العمل والإبداع والقراءة، وتراعي شغف النساء بالكتابة والأدب. وعليه قمنا في العام 2013، أنا وشريكتي ميرا الخطيب بتطوير موقع "مجلة المرأة العربية" بعد فترة قررنا تغيير الاسم ليكون "ملتقى" وهو اسم جامع أكثر من مجلة. المساهمات على صفحات الملتقى من شتى أقطار الوطن العربي، خصوصاً في دول المغرب العربي، القرّاء والكتاب من الجنسين، كما استحدثنا للكُتاب باباً (في بيتنا رجل).

في مراحل الذروة، كنا ننشر عشرات النصوص يومياً، من شعر وقصص قصيرة ومقالات اجتماعية متنوعة، باللغتين العربية والإنجليزية، وكانت المواد باللغة الإنجليزية تحظى بإقبال المغتربين العرب: في أحد الأشهر، وصل عدد القراء إلى نصف مليون قارىء، وعدد المتابعين على مواقع التواصل 150000؛ تم نشر حوالي أربعة آلاف نص. أما عدد الكُتاب والهواة فهم بالمئات وحصرهم صعب للغاية."

 

وعن التحديات التي تواجه الملتقى بينت الحارثي: "لأن المجلة مختلفة عن مجلات الموضة لم ننجح باستقطاب تمويل عن طريق الإعلانات، وهذا التمويل هو الضمان لاستمرار المجلة، ونحن مستمرون بجهود شخصية."

نجح الملتقى بإبراز مواهب أدبية نسوية، بضمنها أيضاً جمعت "الحارثي" القصص المليئة بالعبر التي روتها النساء وكانت ترد على بريد الملتقى، وتحسباً من اندثارها، قامت بإعادة كتابتها وجمعتها في كتاب "حكايا النساء".

 

 

 

هذه منصات تتميز بجملة من الخصائص منها ضمان حرية التعبير ومُعرف رئيس للكتب والكُتاب تسعى بجد إلى تمهيد الطريق الثقافي. مذ انطلاقتها استقطبت عشرات الألوف من الأعضاء المبدعين ونشرت كلمتهم إلى أكثر من ربع مليون متابع فتكونت أُلفة بين شرق وغرب من خلال كلمات محلقة في فضاء. ومن الأهمية بمكان التنويه بأن هذه المنابر لا تلتمس مجداً ولا كسباً وما بنيت لمنافع شخصية إنما شيدت كوسيلة للنشر وإخراج المكنون إلى حيز الوجود.

 

 

في حوار مع الخبير التربوي كمال جبر حول أهمية مثل هذه المنابر وانتشارها السريع على الإنترنت، قال: "تكمن أهمية هذه المنابر كونها حاجة فردية وحاجة إجتماعية بالإضافة إلى كونها منبراً ثقافياً. حيث تفتقر الساحة الثقافية العربية سواء بالشكل التقليدي أو بالشكل الرقمي إلى منابر يستطيع الفرد أن يقدم فيها إسهاماته الإبداعية الحرة بعيداً عن الأفكار الهادمة والمتطرفة، وهي حاجة اجتماعية كونها أسلوباً حضارياً للحوار بين فئات المجتمع كافة دون حدود أو حواجز. كما أنها ترتقي بالحالة الثقافية إلى مستويات أعلى. وعن تسيير مثل هذه المواقع أضاف جبر: "تعد إدارة المواقع أحد أهم العوامل التي تحقق النجاح والاستمرار. ولا نقصد بذلك الإدارة الثقافية فقط بل الإدارة الإلكترونية التي تتيح آفاق جديدة وأبعاد رحبة. لذا ينبغي على المدير المسؤول أن يكون محترفاً وعلى اطلاع بإمكانيات التقنيات الحديثة وما تقدمه من أدوات تفاعلية وإبداعية. وغير خفي على أحد المعوقات التي تواجه هذه المواقع من جوانب مالية وإدارية ولكن الجانب الأهم هو المحتوى المميز والمحفز على العطاء والإبداع، وفي هذه الحالة يمكن للمحتوى الغني أن يرفع نسبة المشاركين الذين يدعمون المواقع التي ألهمتهم ورفعت من مستوى وعيهم وبنت آفاقاً ثقافيةً لهم ولمجتمعاتهم. إن تحدي استمرار المواقع أهم من تحدي إطلاق المواقع بحد ذاتها، وهذا التحدي يمكن أن ننجح فيه إذا كان للموقع أثر إيجابي على حياة الأفراد والمجتمعات".

 

 

وبناءً على ما ورد، ثمة شيء يجب أن يقال: نعم لحظة البداية لا نريدها أن تصل إلى نهاية بسبب تخوفات مشروعة من عدم إمكانية هذه المبادرات الاستمرار! فكيف ستتحقق الاستمرارية، وهي عرض فرد واحد تبدأ العمل بجهد شخصي فردي أو ثنائي على الأكثر! كما أنّ ضعف الموارد المادية يُعزى إلى عدم استقطاب المعلنين والإعلانات التي هي مصدر تمويل رئيس في الصحافة المكتوبة، وقلة الطواقم التي عادة ما تكون تطوعية وهناك صعوبة أخرى فهذه المبادرات مكلفة، والتمويل في أغلب الأحيان يكون من الميزانية الشخصية وهي مصاريف كبيرة تبدأ من شراء الموقع المشغل للتطبيق مترتباً على ذلك رسوم سنوية للموقع ورسوم لتسويق المواد عبر الفيسبوك، إلخ، كما أن هناك حاجة ملحة إلى كادر لإدارة الموقع: مدققو لغة عربية، وطاقم تحرير، مختصو حاسوب ومبرمج ومصمم تطبيق ليظهر الموقع بشكل احترافي وهذا العبء قد يصبح ثقيلاً مع مرور الوقت لعدم وجود ضمانات لتأمين متطوعين على المدى البعيد.

 

 

للخلاص من هذه المآزق، لا بد من وجود خطة تضمن الاستمرارية، بداية وجود أفراد داعميين من الخلف وشركاء فاعلين لتغطية الفرد المؤسس أو مالك الموقع، في حال غيابه، فليس محمودًا أن تكون المنصة محتكرة على فرد واحد!

 

 

عود على ذي بدء: ضعف الموارد المادية لهذه المشاريع عقبة يمكن تجاوزها باختصارها في كلمة صغيرة: على الهيئات الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني والجهات الرسمية المختصة والمهتمين مؤازرة هذه المنصات ومساندتها مادياً ودعمها على جميع الصعد، دون التدخل في سياسة ونهج هذه المنابر، بحيث تكون أيقونة مشاركة في إنجاح مثل هذه الأدبيات تماماً كما الماراثون الداعم لبرامج نجوم الغناء على الفضائيات العربية ودعمهم اللامحدود لمثل هذه المسابقات.